المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : كيف تقرأ لوحة فنية


جني غبي
03-24-2008, 02:56 AM
http://www.moq3.com/img/17012008/zEc09715.gif

تشكل اللوحة الفنية نصاً بصرياً يتضمن قيماً تعبيرية تتجلى في الأشكال التي تصوغ مفرداتُها الخطوطَ والألوان بما تولده من أضواء وظلال وفق أنساق مختلفة. ومن أجل قراءة هذا النص البصري لا بد من معرفة مفرداته وأدواته التعبيرية، ووسائل صياغته، وغاية إنجازه، ولذلك لا بد من دراسة البنية التشكيلية والمعنوية التي تتكون منها اللوحة الفنية.‏

أولاً –البنية المعنوية:‏

حين يقف المرء أمام اللوحة، فإن أول ما يثيره موضوعها أو الفكرة التي أنجزت اللوحة من أجلها، إذ غالباً ما تتضمن اللوحة قيماً تعبيرية تتناسب مع الأغراض التي يسعى الفنان إليها والأساليب التي يسلكها في تجسيد هذه القيم.‏

ويمكننا باختصار شديد أن نميز بين اتجاهين في التعبير، أحدهما تشخيصي والآخر تجريدي.‏

أ-الاتجاه التشخيصي:‏

يقوم هذا الاتجاه على عرض موضوعاته ومضامينه المعنوية عبر مجموعة من الأشكال المستمدة مما تبصره عين الفنان في الحياة المرئية المحيطة به، حيث يقدمها في صيغة تتجلى فيها محاولاته في محاكاته الطبيعية ومشاكلة الواقع المنظور دون اللجوء إلى التحرير أو التغيير، مراعياً في ذلك النسب الطبيعية والأبعاد الرياضية متوخياً الدقة والمماثلة، كما هو الحال في أعمال الكلاسيكيين والرومانسيين والانطباعيين، وغيرهم من الفنانين الذين يندرجون في سياق الواقعية، والواقعية التسجيلية، حيث اعتمد معظم هؤلاء على الموضوعات الأدبية والدينية والميثيولوجية بالإضافة إلى تسجيل الموضوعات التاريخية والمشاهد اليومية والمناظر الخلوية والطبيعة الصامتة، وهي موضوعات لا تحتاج إلى عناء في فهمها لمن توافرت له المعرفة الأدبية والتاريخية. كأعمال (مايكل انجلو –رفائيل –آنجر –روبنز).‏

(توفيق طارق –سعيد تحسين –عبد الوهاب أبو السعود)‏

وقد يستمد الفنان مادته مما تبصره عينه ويشترك فيه وجدانه وخياله، فيحورها الوجدان وفق رؤى محددة، بحيث تبتعد الأشكال عن مواصفاتها التقليدية.‏

وتكتسب أبعاداً جديدة من أجل إظهار قيم تعبيرية يسعى الفنان إليها، كذلك الأعمال التي أنجزها التعبيريون والتكعيبيون والسرياليون وغيرهم من المجددين منذ مطلع القرن العشرين.‏

وفي الاتجاه التشخيصي تختلف الأغراض والأهداف التي يرغب الفنان في إيصالها إلينا باختلاف عنصره وثقافته واتجاهه الفني.‏

فالكلاسيكيون اهتموا بتصوير الموضوعات الأسطورية والدينية الأدبية بالإضافة إلى تصوير الشخصيات والمناظر الخلوية والطبيعة الصامتة بصياغة تهدف إلى مطابقة الطبيعة ومحاكاتها دون تحريف وكذلك كانت أعمال الرومانسيين التي اقتصرت على تلك الموضوعات مع اهتمام واضح بالموضوعات التاريخية والأسطورية كأعمال الفنان (أوجين ديلا كروا)‏

بينما ابتعد الانطباعيون عن الموضوعات الدينية والميثولوجية، واهتموا بتصوير الطبيعة، والمشاهد اليومية والطبيعة الصامتة كأعمال (بيسارو –أدوار مانيه –كلود مونيه –ميشيل كرشة –نصير شوري –غسان صباغ).‏

من هنا فإن المتتبع لإنتاج هؤلاء الفنانين لن يجهد نفسه كثيراً في معرفة مضامينه، خاصة إذا كانت لديه بعض المعرفة بالجوانب الدينية والأسطورية والأدبية، وسوف تثير إعجابه الصنعة الباهرة في صياغة هذه الأعمال والقدرة على مطابقتها للطبيعة ومماثلتها وهي أعمال فنية كانت تؤدي دور الرواية الأدبية والدينية، وتقوم مقام السينما التسجيلية وآلة التصوير الضوئي.‏

أما التعبيريون، فقد انصرفوا إلى الموضوعات الإنسانية والأزمات الاجتماعية والنفسية الفردية، مما دفعهم إلى تجاوز الأشكال التقليدية التي جرى عليها أسلافهم، مبتعدين عن المحاكاة ومتوخين التحريف والمبالغة في سبيل تأكيد المعاني التي يرغبون في عرضها مضحين بالنسب الأساسية الرياضية والتشريحية، كما في أعمال (ادوارد مونش –جورج رووالت –أوسكار كوكوشكا) –(مارك شاجال –لؤي كيالي –سعد يكن –فاتح المدرس)‏

وبالغ التكعيبيون في تحطيم النسب الأساسية، وأمعنوا في تفتيت البنية التقليدية بالشكل، في محاولة لإعادة تركيبها وفق رؤيا جديدة تهدف إلى إقامة صياغة مبتكرة للكائنات تتيح للفنان فرصة التحليل والتركيب والبناء الشكلي واللوني محققة له متعة الخلق والابتكار كما في تكعيبات (بيكاسو –براك).‏

بينما توجه السرياليون إلى مخيلاتهم وتصوراتهم لعلاقة الكائنات بعضها ببعض وقدموها في صيغ جديدة تتجاوز القوانين الطبيعية فيما يشبه الأحلام والأوهام والرؤى التي تجمع بعض مفردات الواقع الطبيعي على نحو غير مألوف، وهي محاولات رافقت الفكر الإنساني في مغامراته الأولى وتصوراته المبكرة لعلاقة الكائنات، وأظهرتها أعمال السرياليين من أمثال: (دالي –ميرو –روبير ملكي –عبد القادر عبد اللي –كمال محيي الدين حسين).‏

ب-الاتجاه التجريدي:‏

إن بحوث التشخيصيين المجددين: (التعبيريين –السرياليين –التكعيبيين) ساهمت إلى حد كبير في تغيير مفهوم اللوحة الفنية وكشفت عن قيم تشكيلية جديدة تتجاوز المفاهيم السابقة، وأفضت باللوحة الفنية إلى آفاق مبتكرة، تبتعد عن تصوير الموجودات التي تبصرها العين إلى أشكال مبتدعة تصدر عن مخيلة الفنان وما تفيض به بصيرته مبتعدة عن كل الصيغ التقليدية التي جرى عليها الفن في القرون السابقة للقرن العشرين، وملتقية مع بعض الصيغ التشكيلية المتمثلة بالرقش العربي، والزخرفة الهندسية التي تعتمد القيمة الجمالية والطاقة التعبيرية الكامنة في الأشكال المجردة التي لا تتضمن موضوعات محددة. متخلصة بذلك من مؤثرات الموضوع، وأسر الأشكال المألوفة التي استهلكها الفن التشكيلي عبر التاريخ.‏

وإذا كان الرقش الإسلامي والحرف العربي قد استمد القيمة التشكيلية من الصيغ المبتكرة التي ابتدعها الفنان العربي بدافع من المؤثرات الروحية التي أشاعتها قيم الحضارة الإسلامية في البحث عن المطلق والمجّرد. فإن الفنون التجريدية الحديثة انبثقت عن الصيغ اللونية التي شغف الفنان في تكوينها عبر منظومات مبتكرة ومناخات إبداعية، تستعصي على الإدراك العقلي، وتستدعي المشاعر والأحاسيس في خطاب بصري لا يستشف لغته إلا من ملك عيناً خبيرة، ونفساً شفافة، وقد بدأت بحوث التجريديين مع كاندنسكي وموندريان ولم تنته حتى اليوم ذلك أنّ خواء العالم الروحي بعد الحربين وأجواء الحرب الباردة وطغيان السلعة في النصف الثاني من القرن العشرين قد دفعا الفنان للبحث عن عالم روحي آمن خلف تلك التشكيلات التجريدية.‏

***‏

ثانياً –البنية التشكيلية:‏

يتألف النص البصري من مجموعة من الجمل التشكيلية التي تنتظم مع بعضها عبر أشكال تصوغ مفرداتها الخطوط التي تحيط بالأشكال وتساهم في خلق إيقاعاتها البصرية إلى جانب القيم اللونية التي تكتسي بها الأشكال.‏

من هنا ينبغي علينا التعرف على حقيقة الخط وإيقاعاته، والإطلاع على النغم الذي تحدثه درجات الظل والنور، ودور اللون وأساليبه، وأنماط الشكل وأسس بنائه، وغير ذلك مما يسهم في طبيعة اللغة التشكيلية للوحة الفنية.‏

وبالرغم من اختلاف اللغة التشكيلية بين لوحة وأخرى باختلاف الاتجاهات والمدارس الفنية، وتنوع الأساليب والأدوات، فإن هذه اللغة لا تستقيم، ولا تتآلف إلا بتآلف عناصرها وانسجام أدواتها، وتوافق مفرداتها، بحيث تشكل هذه اللغة كياناً واحداً يشبه منظومة رياضية لا يمكن إضافة رقم أو حذفه منها حتى لا تختلّ هذه المنظومة.‏

ففي القدر الذي تكون لغة اللوحة معه منسجمة ومتكاملة تكون هذه اللغة أقدر على إيصال المعنى، وبعث القيم التعبيرية الجمالية لدى المتلقي، وهذا يشكل معياراً للتميز بين الأعمال الجيدة والأعمال الرديئة التي تعاني من اضطراب اللغة وعجز المفردات وفجاجة الأداء.‏

1-الخط وإيقاعاته:‏

كانت بداية الرسم مع الخط الذي حدد به الإنسان البدائي معالم الأشكال التي حفرها على جدران الكهوف، ومازالت هذه البداية ماثلة في رسوم الأطفال حيث تتخذ الخطوط الخارجية للرسم أهمية واضحة في الفنون المرئية.‏

(الرسم –الحفر –النحت) وإذا كان النحت يعتمد أساساً على الكتلة، فإن هذه الكتلة ذات خطوط خارجية تحدد أبعادها وسماتها الغرافيكية، وقد رأى عدد من الفنانين أن الخط أساس الفنون المرئية وأكدوا أنه:‏

"كلما كان الخط المحيط أكثر تحديداً وحدة وبروزاً كان العمل الفني أكثر كمالاً، وكلما كان أقل بروزاً وحدةً عظم الدليل على ضعف الخيال والانتحال والإهمال". ولئن كان هذا الرأي لا يخلو من المبالغة فهو يؤكد أهمية الخط ودوره في بناء اللوحة الفنية.‏

ولا تقتصر أهمية الخط في تحديده للأشكال والكتل، فهو وسيلة لتجسيد الحركة في الشكل الفني، سواء أكانت في حركة الشكل الخارجية كما في فنون الشرق التصويرية (المنمنمات الفارسية والهندية) أم في الحركة الداخلية الذي تُجسده ضربات الفرشاة كما في أعمال الانطباعيين أو بعض التعبيريين أمثال: (فان كوخ). وهكذا يُكسِبُ الخطُّ العمل الفني إيقاعاً خاصاً يتأرجح بين مختلف الدرجات سلباً وإيجاباً.‏

ويكتسب الخط أهمية خاصة لدى الفنانين المهرة الذين يجسدون بخطوطهم القوية في رهافتها وحساسيتها ملامح الكتلة، ويعكسون مشاعرهم تجاه الموضوعات التي يتناولونها كما في الرسوم التخطيطية (ديلاكروا –بيكاسو –لؤي كيالي).‏

ويشكل الخط وسيلة لاختزال الصورة حين يسعى إلى تلخيص الموضوعات والأشكال التي يرغب الفنان في معالجتها بإحساس تصويري تسهم فيه الفعاليات الأخرى إلى جانب الخط، أو تلك التي تجعل من الخط مطية لحضورها وتأكيدها كما تفعله الألوان حين تباشر في إكساء الشكل، حيث تستتر الخطوط خلف لمساتها.‏

2-اللون وأساليبه:‏

قد تكون للون أهمية تقليدية تتجلى في دوره الناهض على محاكاة الطبيعة ومماثلتها كما هو الحال لدى الفنان الإنكليزي (كونستابل) وبعض الرسامين التسجيليين في النصف الثاني للقرن التاسع عشر الذين حاولوا استخدام اللون مطابقاً لما تراه أعينهم في الحالات العامة، وهو الأمر الذي يخالفهم فيه الانطباعيون الذين يرون اللون غير ثابت في الطبيعة، بل متغيراً بتغيّرات المناخ وتنويعات المؤثرات الضوئية بحيث تكتسب الورقة الخضراء بعض الصفرة في لونها حين تتعرض لضوء الشمس، بينما تميل إلى الدكنة حين تختفي في الظلال.‏

وقد ميّز الناقد (هربرت ريد) بين ثلاثة أساليب في استخدام اللون، تتجاوز الأسلوب الطبيعي الآنف الذكر، منها: ( الأسلوب الرمزي –الأسلوب التناغمي، الأسلوب النقي)‏

أ-الأسلوب الرمزي:‏

وفيه يستخدم الفنان اللون من أجل مغزاه، فكل لون يحمل دلالة وضيعة خاصة، فاللون الأحمر قد يعني الدم لدى الفنان البدائي، واللون الأسود قد يعني الموت لدى بعض الشعوب، واللون الأبيض قد يعني النقاء لدى بعضهم الآخر، وهكذا.‏

وهذه المفاهيم لم يقررها الفنان، بل قررتها بعض العادات أو الجهات الدينية، (إذ لا بد أن يكون رداء العذراء أزرق اللون وعباءتها حمراء). وقد استمر الأسلوب الرمزي حتى القرن الخامس عشر.‏

ب-الأسلوب التناغمي:‏

وهو أسلوب يعتمد على علاقة الضوء والظل بموضوع العمل الفني، وبما أن لكل لون قيمة أو درجة من درجات الظل والنور فلا بدّ للفنان من إقامة توازنات بين هذه الدرجات، وقد خضعت هذه المهمة لمعايير خاصة تتصل ببيئتها الزمانية والمكانية خلال الفترة الممتدة من القرن السادس عشر إلى القرن الثامن عشر، حين اقتصرت الألوان على مجموعة قائمة كالبني القاتم ومشتقاته وتدريجاته نحو الأصفر والأبيض مع دخول بسيط للأخضر والأزرق والأحمر.‏

ولعل هذه الصياغة التناغمية النمطية المحدودة أوقعت التصوير في رتابة دفعت بعض الفنانين، أمثال (رمبرانت)، إلى البحث عن منافذ تجلت في الاعتماد على المفارقات الواضحة في الظل والضوء، كما دفعت بعضهم الآخر من أمثال (كونستابل إلى الثورة على هذه النمطية والبحث عن صيغة أكثر تحرراً، وهو ما حققه المصور الإنكليزي (تيرنر) الذي يعتبر من أعظم الملونين الطبيعيين في العالم.‏

ج-الأسلوب النقي:‏

وهو أسلوب يستخدم فيه الفنان اللون من أجل اللون نفسه وليس من أجل خدمة الشكل، وذلك لأن كل لون يتضمن قيمة جمالية وحسية كامنة في ذاته، وهو ما يتجلى بوضوح في أعمال رسامي المنمنمات الفارسية الذين يعتمدون الألوان النقية (غير الممزوجة) في صياغة تتباين فيها الألوان في شدتها ومساحتها كما هو الحال في لوحات (هنري ماتيس).‏

وبذلك يصبح الهدف الرئيسي للون هدفاً زخرفياًَ، وتصبح غاية التشابه والتماثل مع الطبيعة أمراً ثانوياً، بحيث يسعى اللون إلى الإثارة الحسية، وتحريك النوازع الوجدانية والجمالية معتمداً على ذاته في التصوير التجريدي.‏

لقد توجهت معظم بحوث التجريديين إلى ما تحمله الصيغ اللونية من قيم جمالية وإيحاءات تعبيرية متنوعة "منذ أن اكتشف الفنان الروسي –واسيلي –كاندينسكي جمالاً في ثوب امرأة عزاه إلى انسجام ألوانه التي انتشرت من فوقه على غير شكل معروف، مما جعله يفكر في الاستغناء عن استخدام الأشكال الطبيعية في لوحاته" واقتنع بأن التصوير كالموسيقى يمكن التعبير فيه بالألوان والأشكال المجردة عن الأفكار والموضوعات المألوفة.‏

وهكذا انصرف اهتمام التشكيليين المعاصرين عن الاعتماد على الخط، وانصبت مساعيهم على اللون وما يتضمنه من قدرات تعبيرية مختلفة.‏

3-النغم (درجات الظل والنور):‏

إذا كان للخط فعله في تحديد الشكل وتأطيره الخارجي، فإن للنغم دوره في إعطاء الشكل بعده الثالث وعمقه، وبذلك يتجلى النغم في صيغة التظليل التي تعتمد على الانتقال عبر درجات الظل والنور ويتمثل ذلك في اللون الواحد وتدريجاته، أو بالأبيض والأسود وتدريجاته. وعلى حين اقتصرت أهمية النغم على الفنون الأوربية التقليدية، فإنّها لم تتخذ لها حضوراً واضحاً في الفنون الشرقية حيث اعتمد الفنانون الآسيويون في فنونهم التقليدية الخط في تحديد الشكل واللون ذي الدرجة الواحدة في مساحات متجاورة متباينة الألوان، تمنح الشكل حيوية.‏

وقد يكون هناك تنوع جزئي في درجات اللون حين يقتصر الأمر على تصوير زهرة أو جناح طائر، حيث يتدرج اللون من الغامق إلى الكاشف أو العكس، وقد يضطر المصور الشرقي إلى نشر اللون الغامق على حواف الشكل ليؤكد حضوره ويميزه من غيره من الأشكال متضامناً مع الخط في هذه المهمة، وهذا ما نلمسه بوضوح في معظم المنمنمات الشرقية.‏

وقد بالغ بعض الفنانين الغربيين، أمثال (فيرمير)، في استخدام التدريجات اللونية، مؤكدين براعتهم اليدوية، وإدراكهم العلمي للنغم، متجاوزين الدوافع الشعورية والأهداف الجمالية في معالجة النغم اللوني. بيد أن بعضهم، أمثال (رمبراندت)، حاولوا الإفادة من النغم اللوني في إظهار تأثيرات درامية وخصائص جمالية في الموضوع من خلال سيطرتهم على الظل والضوء، وبراعتهم في توزيعهما على نحو مبدع، بحيث يعرض كلٌّ منهما إلى جانب الآخر بشكل مباشر فتظهر بعض التفاصيل في غمرة الضوء، ويضيع معظمها في غياهب العتمة لتشكّل فرصة للخيال في متابعة رسم تلك الملامح المضاءة.‏

4-الشكل بين الاتباعية والابتداعية:‏

يرى بعضهم أن الشكل هو أكثر عناصر العمل الفني أهمية وصعوبة، ومع ذلك فإننا نستطيع أن نميز بين شكلين أحدهما اتباعي تقليدي والآخر ابتداعي مبتكر.‏

أ-الشكل الاتباعي:‏

هو الشكل الذي يحاكي الأشكال الموجودة في الطبيعة وفي الصورة المقلدة للطبيعة، كتلك الأشكال التي صاغها فنانو عصر النهضة في أوروبة ومن تبعهم من الفنانين حتى مطلع القرن العشرين.‏

وبالرغم من أن بعض الفنانين من أمثال (بوش) قد ابتكروا أشكالاً جديدة لمخلوقات متخيلة إلا أنهم استمدوا عناصر أشكالهم من الطبيعة، وما شاهدته أبصارهم، كما هو الأمر لدى السرياليين، أمثال (سلفادور دالي).‏

ب- الشكل الابتداعي:‏

هو الشكل الذي ابتدعته مخيلة الفنان دون الاعتماد على الطبيعة ومحاكاتها، والذي لا يرتبط جماله بأي شيء منظور، فهو جميل بذاته كتلك الخطوط والألوان التي تبتدعها مخيلة الفنان في نسق مثير يصدر عن بصيرته، وما يفيض به وجدانه ووجده. وهو ما نراه جلياً بتلك الصيغ المبتكرة في الزخرفة المتمثلة في الرقش العربي وفي الأعمال التجريدية المحدثة لعدد من الفنانين الغربيين والمحليين، وبعض الحروفيين الذين استلهموا القيم الجمالية والتعبيرية في الخط العربي.‏

ومهما يكن الشكل الذي يجسده الفنان، فإنه ينبغي أن ينطوي على نظام متوازن في العلاقة بين عناصره وفقاً لأساس بنائي معين من نوع ثابت مثل (البناء الهرمي) وهو ما نراه ماثلاً في الفن الكلاسيكي الذي ظهر في عصر النهضة الأوربية، مما يضفي على هذه الفنون تركيباً (ستاتيكياً) مغلقاً.‏

وهناك نوع ثان يقابل هذا التركيب المغلق، ويشكل تركيباً مفتوحاً وهو تركيب حيوي متصاعد البناء، تكون اللوحة فيه دون أبعاد محددة، إذ إن الكتل المتواجدة فيها لا تتجمع في بؤرة واحدة، بل تتوزّع من خلال قوة طاردة، تتحرك من داخل اللوحة إلى خارجها ومحيطها، وفي كلا النوعين يكون التركيب متوازناً. ويتم بناء العمل الفني على أساس ذهني أو غريزي أو كلاهما معاً. فالأساس الذهني لبنية اللوحة الفنية يقوم على أسس رياضية ذات نسب وأبعاد محددة كما في العمارة أو النحت الإغريقي، وهو الأساس الذي اعتمد عليه معظم فناني عصر النهضة الأوربية، أمثال (مايكل أنجلو ودافنشي ورفائيل). أما الأساس الغريزي، فهو بناء عفوي للوحة الفنية، يتجاوز النسب والأبعاد الرياضية المعهودة من أجل أبعاد معنوية وجمالية جديدة.‏

وبرغم اعتماد عدد من الفنانين التقليديين الأساس الذهني في صياغة أعمالهم إلا أن عدداً منهم أتاح الفرصة لنوازعه الغريزية وصبواته الجمالية متجاوزاً الأسس الرياضية المتوارثة، كما في معظم أعمال (الجريكو) حيث يستطيل الجسد الإنساني من أجل قيمة تعبيرية جديدة. وفي معظم حالات الصياغة التشكيلية للعمل الفني نلاحظ الموازنة والمشابهة بين ما تنتجه الفنون المعمارية والفنون التشكيلية، فإن كل مرحلة حضارية تفرز نمطاً معمارياً خاصاً، ومن ثمّ فإن هذا النمط يتجلى في الفنون التصويرية، إذ إن اللوحة الفنية تكون انعكاساً صادقاً للقيم الحضارية والمفاهيم الشكلية لعصره وبيئته المكانية والاجتماعية.‏

5-الأسلوب والتفرد:‏

يقوم الانسجام على توفير مناخ حسي واحد يجمع إليه عناصر العمل الفني، بحيث تغدو هذه العناصر متوافرة من ينبوع واحد، هي روح الفنان وشخصيته. فإذا استطعنا تحليل عناصر العمل الفني إلى عوامله الأولية ومكوناته الأساسية، فإنه ينبغي لنا أن نبحث عن عنصر الانسجام الذي جمع إليه عناصر اللوحة، وهو عنصر لا يمكن إدراكه بالقياس دون الاعتماد على الشعور والمذاق المتطور والمتنامي والاستناد إلى المعرفة البصرية المتتابعة والمثقّفة.‏

والانسجام هو التعبير عن شخصية الفنان وخصوصيته التي تؤدي بنتاجه إلى التفرد والتميز، فقد يشترك مجموعة من الفنانين في الموضوع الذي يصورونه والاتجاه الذي ينتهجونه في صياغة عملهم والمكان والزمان اللذين يحتويان هذا العمل، والمواد التي يستخدمونها، ومع ذلك يمتاز كل واحد منهم من الآخرين بأسلوبه ومذاقه.‏

وتُستثنى من ذلك الفنون ذات الأنماط الدينية التي تتشابه في نتاج الدين الواحد كالفن البوذي أو القوطي أو الإسلامي. فالفن الإسلامي مثلاً الذي يقوم على الرقش العربي وتكويناته يمتاز بأسلوب واحد في التفكير والمعالجة برغم اختلاف الصيغ ومهما يكن الأمر فإن تأثير العمل الفني المدهش لا يقوم على الإدراك الكامل لتوافق عناصره وانسجام مفرداته التشكيلية والمعنوية وحسب، بل على وعي تلك الطاقة السحرية التي أودعها الفنان فيه والتي تتجه نحو أفئدتنا عبر قنوات الإحساس والمشاعر، وبذلك لا تكون اللوحة الفنية مجموعة من الأشكال والأفكار وحدها، بل جملة من المؤثرات الحسية والشفرات الشعورية التي تؤلف مجازاً للحقائق المعروضة وتفتح نوافذ لرياض فاتنة تغرد في جنباتها الروح، ويبسط فيها الخيال أشرعته نحو فضاءات لا حدود لروعتها وعذوبتها.‏


http://www.moq3.com/img/17012008/BCJ12141.gif

قطر تي ان تي
03-24-2008, 09:45 AM
http://www.e3yal-qtr.net/uploads/062ae7ec6e.gif (http://www.qatartnt.com/up/)

http://www.e3yal-qtr.net/uploads/53c19e3e20.gif (http://www.qatartnt.com/up/)

الوافي
03-24-2008, 05:37 PM
مشكور كثير على الموضوع الحلو والمبدع اخوي لا عدمناك الغالي

تحياتي اخوك الوافي

صاحبة الامتياز
03-25-2008, 06:47 PM
تسلم يمناك اخي جني على موظوع المتميز و الرائع و القيم لاعدمانك

تحياتي لك صاحبة الامتياز

شامخه
03-25-2008, 11:29 PM
جني غبي الشكرا وحده لا يكفي .... بارك الله فيك


تحياتي ....

ملآك الروح
03-29-2008, 04:22 PM
مشكور .,
ويعطيك العافيه ع المعلومآتـ .,

\

.*.butterfly.*.
12-01-2008, 11:57 PM
http://www.qatartnt.com/op/files/casmellntzovgkf6gix9.gif (http://www.qatartnt.com/op/)